الشيخ محمد رشيد رضا
241
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وغرضه فان أصابه خير اطمأن به وان أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ، وأنه قلما يوجد في أولئك المنافقين من يصبر على نار الفتنة رياء وتقية فيطيع فيما يكتب عليه ولو كان التعرض للقتل ، والجلاء عن الوطن والأهل وقيل إن الكلام في جملة المكلفين من الناس والمعنى ان الانسان خلق ضعيفا كما تقدم في آية ( 27 ) من هذه السورة فلو كتبنا عليهم ما يشق احتماله كقتل الأنفس والخروج من الوطن لعصى الكثير منهم ولم يطع الا القليل وهم أصحاب العزائم القوية الذين يؤثرون رضوان اللّه على حظوظهم وشهواتهم ، ولكننا لم نكتب عليهم ذلك كما كتبناه على بني إسرائيل من قبلهم بل أرسلنا خاتم رسلنا بالحنيفية السمحة ، التي تجمع لهم بين حسنة الدنيا وحسنة الآخرة ، فلا عذر لهم بالضعف البشري أن عصوا الرسول ، واتبعوا الطاغوت ، وانما ظلموا بذلك أنفسهم وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ من الأوامر والنواهي المقرونة بحكمها وبيان فائدتها ، والوعد والوعيد لمن عمل بها ومن صد عنها ، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ في حفظ مصالحهم ، واعتزاز أنفسهم بارتقاء أمتهم ، وفي عاقبة أمرهم وآخرتهم ، وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً لهم في أمر دينهم . التثبيت التقوية بجعل الشيء ثابتا راسخا ، وانما كان العمل واتيان الأمور الموعوظ بها في الدين يزيد العامل قوة وثباتا لأن الاعمال هي التي يكون بها العلم الاجمالي المبهم تفصيليا جليا ، وهي التي تطبع الاخلاق والملكات في نفس العامل ، وتبدد المخاوف والأوهام من نفسه ، مثال ذلك ان بذل المال في سبيل اللّه تعالى بأعمال البرآية من أقوى آيات الايمان ، وقربة من أكبر أسباب السعادة والرضوان ، فمن آمن بذلك ولم يعمل به لا يكون علمه بمنافعه وفوائده له وللأمة والملة الا ناقصا ، وكلما اعتنّ له سبب من أسباب البذل ، تحداه في نفسه طائفة من أسباب الامساك والبخل ، كالخوف من الفقر والاملاق ، أو نقصان ماله عن مال بعض الأقران ، أو تعليل النفس بادخار ما احتيج إلى بذله الآن ، ليوضع فيما هو خير وأنفع في مستقبل الزمان ، فإذا هو اعتاد البذل صار السخاء خلقا له ،